ليست هذه صورة فرح، ولا لحظة عابرة في زحام فعالية.
هذه صورة وجعٍ كامل، تختصر حكاية شعبٍ أُنهك حتى لم يعد يملك سوى ذراعيه ليصنع بهما وطنًا مؤقتًا لأطفاله.
أبٌ يحمل ابنته وسط الجموع، لا لأنه يريد أن يريها العالم، بل لأنه يخاف عليها منه.
طفلةٌ تضحك ببراءة موجعة، لا تعرف أن ضحكتها معلّقة على صدر رجلٍ استُهلك عمره في الحروب والصراعات، وسُرق شبابه على موائد الخيانة والمتاجرة بالقضايا.
هذا الأب لم يخرج طامعًا، ولا باحثًا عن سلطة أو مال.
خرج وهو مثقل بالخوف، بالخسارات، بالسنين التي مضت دون أن تمنحه دولة تحميه أو وطنًا يطمئنه. خرج وهو يتمنى في داخله أمنية بسيطة حدّ الألم: أن تحضن الأرض ابنته كما يحضنها الآن، وأن يكبر مستقبلها بعيدًا عن الرصاص والسجون والشعارات الكاذبة.
الطفلة لا تفهم السياسة، لكن السياسة ستدمّر حياتها إن استمر هذا العبث.
لا تعرف أسماء المشاريع ولا القيادات، لكنها تعيش نتائجها كل يوم.
الخوف الذي تشعر به ليس وهمًا، بل ميراثًا ثقيلًا صنعته سنوات من القهر والاستغلال.
عقدٌ كامل عاشه أبناء الجنوب رهائن لمشروع لم يكن لهم، تديره الإمارات ببرود المستعمر، وتنفّذه أدوات بلا ضمير. لم تأتِ الإمارات لإنصاف شعب، بل لتنهب قضية، ولم تدخل لتبني دولة، بل لتفكك المجتمع، وتحوّل الجنوب إلى ساحة نفوذ، وسوق دم، ومختبر فوضى. استخدمت الناس وقودًا، واستثمرت في الجوع، وصنعت نفوذها من آهات الأمهات ودموع الأطفال.
أما المجلس الانتقالي، فلم يكن يومًا صوت الجنوبيين، بل كان قيدًا في معصمهم. تحوّل إلى مليشيا تخيف الناس باسمهم، وتسجنهم باسم قضيتهم، وتكمّم أفواههم باسم "التمثيل". صادر الحلم الجنوبي، وحوّله إلى كابوس طويل، وفتح أبواب السجون بدل أبواب الأمل، وباع الكرامة مقابل الامتيازات.
الجنوبيون ليسوا خونة،
الخونة هم من باعوهم.
الجنوبيون ليسوا عملاء،
العملاء هم من رهنوا دمهم وأرضهم.
الجنوبيون ضحايا مشروع خارجي خبيث، وأدوات محلية رخيصة، دفعتهم إلى القاع ثم اتهمتهم بالسقوط.
ملايين الآباء مثل هذا الأب عاشوا نفس القصة:
أعمار ضاعت،
أحلام انكسرت،
وأطفال يكبرون في وطنٍ لا يشبه الأوطان.
يحملون أبناءهم اليوم لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم فقدوا الثقة في كل شيء آخر.
هذه الصورة تقول الحقيقة دون خطابات:
إن هذا الشعب لا يحتاج مزيدًا من الشعارات،
بل يحتاج عدالة.
لا يحتاج مليشيات،
بل دولة.
لا يحتاج أوصياء ومتاجرين،
بل وطنًا نظيفًا يحتضن أبناءه.
حين يعجز الوطن عن أن يكون وطنًا،
يضطر الأب أن يتحوّل إلى وطن…
ويصنع من حضنه آخر مساحة أمان لطفلته.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق