في نسيج التاريخ العربي الحديث يبرز التمازج الديني والثقافي والاجتماعي بين شعب المملكة العربية السعودية وشعب حضرموت بوصفه علاقة متجذّرة قامت على الإيمان المشترك والقيم الأصيلة وروابط الأخوّة قبل أن ترسمها الجغرافيا والسياسة، فمنذ عهد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – تشكّلت هذه العلاقة على أساس الاحترام المتبادل والانفتاح فكان الحضارم حاضرين بعمق في المجتمع السعودي بمهاجريهم وتجّارهم وأسرهم فانصهروا في النسيج الاجتماعي السعودي.
الدين الإسلامي كان ولا يزال الرابط الأوثق بين الشعبين؛ فحضرموت عُرفت عبر تاريخها بمنهجها الوسطي وقد عكس هذا تجارها الذين نشروا الدين بالحكمة والحسنى، وهو ذات النهج الذي قامت عليه المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها، فكان لهذا التلاقي الديني انعكاس على السلوك الاجتماعي، فبرز التشابه في القيم كالتمسك بالدين، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والاعتزاز بالأخلاق، والتحاكم للشريعة عند الخلافات.
أما على الصعيد الثقافي والاجتماعي فقد اندمج الحضارم في المجتمع السعودي اندماجًا طبيعيًا، مما أوجد حالة ثرية من التبادل والتكامل، فالتشابه في عادات الأفراح والأتراح، والملبس، وأسلوب العيش، وحتى في المطبخ الشعبي، يعكس عمق هذا التداخل الذي لم يكن مصادفة، بل هو نتاج عقود طويلة من التعايش، فنتج عن هذا المئات إن لم تكون ٱلاف من حالات التصاهر والزيجات، ولا تكاد تجد عائلة حضرمية الا ولهم أصهار وارحام وأهل وأخوال سعوديون وهذا يدل على أن هذا التمازج من عشرات بل مئات السنين.
أما على الصعيد التجاري فقد عُرف الحضارم من الرعيل الأول لدى السعوديين بالأمانة والاخلاص والمثابرة في العمل، وفتحت الدولة السعودية في بداياتها المجال للحضارم بممارسة العمل التجاري بسجلات تجارية كانت بأسمائهم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فانخرطوا في العمل التجاري مع السعوديين إما بشراكات أو منافسات شريفة انعكست ايجاباً على السوق والاقتصاد ككل وأثرت النشاط التجاري، ولا يزال بعض التجار الحضارم القدامى محتفظين بصور تلك السجلات ولا ينسون أن ماهم فيه من نعمة وثراءة هو بفضل الله أولاً ثم لما يسرته الحكومة السعودية لهم من استثناءات في تلك الحقبه.
ومع تعاقب الأجيال وتقدم الزمن استمرت هذه العلاقة راسخة، تتجدد بأشكال معاصرة دون أن تفقد جذورها، واليوم يجمع الحضارم والسعوديين تاريخ مشترك وواقع متداخل ومستقبل يقوم على الأخوّة الصادقة، ليبقى التمازج بين المملكة العربية السعودية وحضرموت نموذجًا حيًا لوحدة القيم وتلاقي الثقافات في الوطن العربي.
أحمد عبود محمد العمودي
مستشار إداري متخصص في تطوير المؤسسات







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق