مقال : أحمد عبود العمودي .. حضرموت والنرويج، حين تتشابه الموارد وتخفق الإدارة - صدى حضرموت | الإخبارية name="monetag" content="3642917a9d4b2bfca025fbee99b4824b">

أخر الأخبار

ترجمة - Translate

   

الأربعاء، 4 فبراير 2026

مقال : أحمد عبود العمودي .. حضرموت والنرويج، حين تتشابه الموارد وتخفق الإدارة

ليست المقارنات بين الدول والمحافظات من باب الترف الفكري، بل أحيانًا تكون مرآة صادقة تكشف أين يكمن الخلل الحقيقي، وحين نقارن محافظة حضرموت (وهي أكبر محافظات اليمن وأغناها موارد) بدولة أوروبية متقدمة مثل النرويج فإن الدهشة سوف تفاجؤك من حيث تشابه الثروات وتكشف لك أن الخلل هو في طريقة الإدارة.

حضرموت بمساحتها الشاسعة التي تقترب من 193 ألف كيلومتر مربع متفوقة على بعض دول أوروبا وتقترب من نصف مساحة النرويج تقريبًا، ورغم أنها مجرد محافظة داخل دولة إلا أن هذه المساحة الهائلة ليست أرضًا قاحلة، بل فسيفساء طبيعية نادرة، (ساحل طويل على بحر العرب، وديان خصبة، هضاب واسعة، وصحارى تختزن في باطنها كنوز الطاقة)، أما النرويج والتي يضرب بها المثل في التنمية والرفاه، فهي وإن كانت أكبر مساحة إلا أنها تقوم على واقع جغرافي قاسٍ، (جبال صخرية، مناخ بارد، أراضٍ زراعية محدودة، وشتاء طويل يقيّد النشاط البشري معظم العام)، ومع ذلك استطاعت أن تبني واحدة من أقوى اقتصادات العالم وأكثرها استقرارًا.

وهنا يظهر السؤال الحقيقي: كيف لدولة ذات طبيعة صعبة أن تتفوّق بينما تتعثر حضرموت رغم كل هذا السخاء الطبيعي؟
تتفوق حضرموت في الجغرافيا والموارد، فهي تمتلك واحدًا من أطول السواحل لمسافة تقارب من 350–450 كيلو مترًا ما يمنحها ميزة استراتيجية في التجارة البحرية وصيد الأسماك والنقل الدولي، سواحلها الدافئة على بحر العرب تفتح لها أبوابًا اقتصادية هائلة من الموانئ إلى الصناعات البحرية والسياحة الساحلية، ورغم أن سواحل النرويج تفوق ساحل حضرموت من حيث المساحة والتطور والاستثمار، فإن ساحل حضرموت يتمتع بموقع استراتيجي أقوى عالميًا، لكن الفرق الحقيقي أن النرويج أحسنت استغلال بحرها، بينما لا يزال ساحل حضرموت ينتظر من يحوله إلى قوة اقتصادية حقيقية.

وفي الداخل تمتد وديان حضرموت الشهيرة بخصوبتها حيث الزراعة منذ آلاف السنين في بيئة تجمع بين الماء والتربة الصالحة والمناخ المعتدل، بينما تعتمد النرويج على الزراعة المحدودة والموسمية بسبب برودة الطقس وقصر فترات النمو.

أما في باطن الأرض، فحضرموت تختزن ثروات نفطية وغازية ضخمة، وتُعد المصدر الأساسي لإنتاج الطاقة في اليمن، إضافة إلى ثروات معدنية وأسماك غنية على امتداد سواحلها، هذه الموارد تجعلها – نظريًا – واحدة من أغنى المناطق في الجزيرة العربية.
في المقابل، تعتمد النرويج على نفط البحر وغاز الشمال وصيد الأسماك والطاقة الكهرومائية، وهي موارد تشبه إلى حد كبير ما تملكه حضرموت، مع فارق واحد وهو أن النرويج أحسنت الإدارة، وحضرموت أُسيء إدارتها.

المشكلة ليست في الأرض، بل في الإنسان الذي يديرها،
ف لو كانت الثروات وحدها تصنع التقدم لكانت حضرموت في مقدمة المناطق المزدهرة، لكنها اليوم تعيش مفارقة مؤلمة، (أرض غنية، وشعب كريم، وواقع اقتصادي متعثر) والنرويج لم تُخلق دولة متقدمة، بل صنعت نفسها عبر (إدارة شفافة للموارد، مؤسسات قوية، خطط طموحة، استثمار طويل الأمد في الإنسان، قوانين صارمة تمنع الفساد وتضمن عدالة توزيع الثروة).

حضرموت لم تكن مشكلتها يومًا في قلة الموارد، بل في غياب الرؤية، وضعف الإدارة، وتشتت القرار، وغياب التخطيط الاستراتيجي، فالثروة التي كان يفترض أن تبني المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مورد مهدَر أو مسلوب.

حضرموت لا تقل شأنًا عن لا أقول محافظات بل دول متقدمة، ولا أبالغ إن قلت أنها تتفوّق عليها في كثير من عناصر القوة الطبيعية، لكنها ما زالت تقف عند عتبة الإمكانات، فالإدارة لم ترتقِ بعد إلى مستوى الجغرافيا والثروات.

الفرق بين حضرموت والنرويج ليس في البحر ولا في الأرض، بل في العقل الذي يخطط، واليد التي تدير، والنظام الذي يحمي الثروة من الهدر، وحين تُدار حضرموت بعقل دولة، لا بعقل أزمة، ستثبت للعالم أن المشكلة لم تكن يومًا في المواد بل في الإدارة.

أحمد عبود محمد العمودي 
مستشار إداري متخصص في تطوير المؤسسات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق