أكد سعادة الأستاذ أسامة بن يوسف القصيبي، مدير عام مشروع «مسام» لنزع الألغام – اليمن، أن أعمال نزع الألغام لم تعد مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل أصبحت ركيزة أساسية لبناء السلام، وإعادة الإعمار، واستعادة الحياة في المجتمعات المنكوبة بالحروب، مشددًا على أن الاستثمار في هذا القطاع يمثل استثمارًا مباشرًا في الأمن والاستقرار والتنمية.
جاء ذلك في كلمة رسمية ألقاها القصيبي بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بالألغام والمساعدة في الإجراءات المتعلقة بالألغام 2026، الذي يصادف الرابع من أبريل من كل عام، ويُحتفى به هذا العام تحت شعار: «الاستثمار في السلام، الاستثمار في العمل».
وقال القصيبي إن هذه المناسبة، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، تأتي لتذكير العالم بالخطر المتصاعد الذي تمثله الألغام والعبوات الناسفة والمخلفات الحربية، وما تخلّفه من مآسٍ إنسانية ممتدة تحاصر المدنيين وتحرمهم من أبسط حقوقهم في الأمن والتنقل والعمل والحياة.
وأوضح أن العالم يحتفي بهذا اليوم في وقت بالغ الحساسية والتعقيد، تتصاعد فيه النزاعات المسلحة والأزمات السياسية والإنسانية في عدد من المناطق، الأمر الذي يجعل الرسالة الإنسانية الخاصة بمكافحة الألغام أكثر إلحاحًا، في ظل تزايد الحاجة إلى حماية المدنيين وتحصين المجتمعات من آثار الحروب طويلة الأمد.
وأشار إلى أن شعار هذا العام يحمل رسالة استراتيجية عميقة، مفادها أن إزالة الألغام ليست فقط ضرورة إنسانية، بل هي مدخل لا غنى عنه لأي عملية سلام حقيقية، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية أو استقرار أو عودة آمنة للنازحين أو إطلاق مشاريع اقتصادية في بيئات لا تزال مهددة بالموت الكامن تحت التراب.
وأضاف أن الألغام لا تكتفي بحصد الأرواح، بل تواصل تعطيل مسارات الحياة لعقود، من خلال شلّ النشاط الزراعي، وقطع طرق الحركة، وإعاقة التعليم، وتعطيل فرص العمل والإنتاج، وفرض الخوف كواقع يومي على ملايين البشر.
وفي سياق استعراضه لحجم الكارثة عالميًا، أشار القصيبي إلى الإحصائية الحديثة المنشورة على الموقع الرسمي للأمم المتحدة، والتي تفيد بأن إنسانًا يُقتل أو يُصاب كل ساعة بسبب الألغام والمخلفات الحربية والعبوات الناسفة، واصفًا هذا الرقم بأنه مؤشر صادم على فداحة التهديد الذي لا يزال يلاحق المدنيين في مختلف أنحاء العالم.
وأكد أن هذه الأرقام تستوجب تحركًا دوليًا أكثر جدية واستدامة، ليس فقط على مستوى الدعم الإنساني، بل أيضًا في مجال التمويل والتخطيط والشراكات الدولية طويلة الأمد، بما يضمن توسيع نطاق عمليات التطهير، وتعزيز الحماية المجتمعية، ودعم الناجين والمتضررين.
وبيّن القصيبي أن مشاريع وبرامج نزع الألغام تمثل الوسيلة الوحيدة والفاعلة لإعادة الحياة إلى الأراضي الملوثة، وفتح الطريق أمام عودة السكان إلى قراهم ومزارعهم ومدارسهم ومصادر رزقهم، مؤكدًا أن الاستثمار في هذا القطاع هو في جوهره استثمار في الإنسان، وفي حقه في العيش والعمل وبناء المستقبل.
وشدد على أن أي حديث عن إعادة الإعمار في مناطق النزاع يظل ناقصًا ما لم يُسبق بجهد شامل لنزع الألغام، موضحًا أن الأرض الملوثة لا يمكن أن تحتضن مشروعًا تنمويًا، ولا أن تصبح بيئة آمنة للإنتاج أو الاستقرار أو الحياة المدنية الطبيعية.
وفي جانب آخر من كلمته، سلّط مدير عام مشروع «مسام» الضوء على التضحيات الجسيمة التي يقدمها العاملون في مجال نزع الألغام، مؤكدًا أن نازعي الألغام يقفون في الصفوف الأولى لمواجهة الموت من أجل إنقاذ الآخرين، في واحدة من أخطر المهن الإنسانية على مستوى العالم.
وقال إن نازع الألغام يغادر منزله كل صباح وهو يدرك تمامًا أن أي لحظة في الميدان قد تكون الأخيرة، في مهمة تتطلب أعلى درجات الشجاعة والانضباط والدقة، حيث إن هامش الخطأ يكاد يكون معدومًا في بيئة مشبعة بالخطر.
وبهذه المناسبة، استذكر القصيبي 30 من أبطال مشروع «مسام» الذين استشهدوا خلال تأدية واجبهم الإنساني في الميدان، إضافة إلى 47 زميلًا آخرين أصيبوا بإصابات متفاوتة أثناء تنفيذ مهامهم، مؤكدًا أن تضحياتهم ستظل حاضرة في ذاكرة المشروع، وشاهدًا خالدًا على عظمة الرسالة التي يحملها العاملون في هذا المجال.
كما استحضر معاناة ضحايا الألغام حول العالم، والملايين الذين يعيشون في بيئات ملوثة بالموت الصامت، حيث تحولت الألغام إلى عائق يومي يحرم الأطفال من التعليم، ويمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ويقيد النساء عن العمل والإنتاج، ويفرض على الأسر واقعًا من الخوف والحرمان وعدم اليقين.
وفيما يخص اليمن، أوضح القصيبي أن مشروع «مسام»، العامل تحت مظلة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، يواصل أداء رسالته الإنسانية للعام الثامن على التوالي، رغم تعقيدات المشهد الميداني وصعوبة الظروف التشغيلية والإنسانية.
وأشار إلى أن المشروع حقق منذ انطلاقه إنجازات نوعية واسعة النطاق، تمثلت في تطهير 77,994,590 مترًا مربعًا من الأراضي اليمنية، بما أسهم في إعادة الأمل والأمان إلى مساحات شاسعة كانت تشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين.
وأضاف أن فرق المشروع تمكنت خلال الفترة ذاتها من نزع وإزالة 7,122 لغماً مضاداً للأفراد، و150,680 لغماً مضاداً للدبابات، و384,967 ذخيرة غير منفجرة، إضافة إلى 8,418 عبوة ناسفة، في أرقام تعكس حجم التحدي، كما تعكس حجم الجهد الإنساني المبذول على الأرض.
واختتم القصيبي كلمته بالتأكيد على أن مشروع «مسام» سيواصل أداء رسالته النبيلة تحت شعاره الإنساني «حياة بلا ألغام»، مجددًا التزامه بالمضي قدمًا في حماية الأرواح، وتطهير الأرض، وصناعة الأمل، والمساهمة في تمهيد الطريق نحو مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا لليمنيين.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق