بقلم/ سالم عوض الربيزي .. اليمن والرهان السعودي ،ضرورة إعادة تقييم الشراكات واختيار رجال المرحلة - صدى حضرموت | الإخبارية name="monetag" content="3642917a9d4b2bfca025fbee99b4824b">

أخر الأخبار

ترجمة - Translate

   

الأحد، 18 أكتوبر 2026

بقلم/ سالم عوض الربيزي .. اليمن والرهان السعودي ،ضرورة إعادة تقييم الشراكات واختيار رجال المرحلة

 

لم تعد أزمة المشهد اليمني مرتبطة بنقص المبادرات السياسية أو غياب القيادات، بقدر ما ترتبط بطبيعة الشراكات القائمة، ومدى قدرة الأطراف التي يعوّل عليها الأشقاء في المملكة العربية السعودية على إحداث تغيير حقيقي في مسار الأحداث. فبعد سنوات من التجارب السياسية والعسكرية، بات من الضروري مراجعة نتائج هذه الشراكات، والوقوف أمام أسباب تعثر العديد من الملفات، بدلًا من الاستمرار في التعويل على الوعود والخطابات التي لا تجد انعكاسًا ملموسًا على أرض الواقع.


إن المرحلة الراهنة تفرض على الرياض إعادة تقييم علاقاتها مع القوى والشخصيات السياسية اليمنية، والانتقال من التعويل على الحضور الإعلامي وكثرة التصريحات إلى قياس الأداء والإنجازات والقدرة على التأثير. فاستمرار الأزمات وتعثر الملفات السياسية والعسكرية والإدارية يستدعي مراجعة جادة للتجارب السابقة، وتحديد أسباب الإخفاق، وإعادة النظر في المعايير التي تُبنى عليها الشراكات السياسية.


إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى إعادة تدوير التجارب ذاتها، بقدر ما تحتاج إلى تغيير معايير اختيار الشركاء. فالمعيار الحقيقي لفاعلية أي شخصية سياسية لا يتمثل في موقعها الرسمي أو حجم نفوذها، وإنما في رصيدها الوطني، وقدرتها على التأثير، وامتدادها المجتمعي، وما تقدمه من مواقف وإنجازات ملموسة.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية الانفتاح على قيادات وشخصيات وطنية تمتلك خبرات سياسية وعسكرية واجتماعية وإدارية، وفي مقدمتها أحمد بن أحمد الميسري، إلى جانب عدد من قيادات الهضبة، وعلى رأسهم مشائخ بيت الأحمر، فضلًا عن الاستفادة من الخبرات والكفاءات التي عملت ضمن إدارة الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي.


إن الاستفادة من هذه الشخصيات والتجارب لا تعني تجاوز الأخطاء السابقة أو منح أي طرف صكًا مفتوحًا، وإنما تعني توسيع دائرة الخيارات السياسية، وإخضاع مختلف التجارب لتقييم موضوعي يحدد أوجه الاستفادة منها. فاليمن يمتلك رصيدًا من القيادات والخبرات التي يمكن أن تسهم في معالجة الاختلالات القائمة، ومن المهم ألا تظل هذه الطاقات خارج دائرة التأثير في وقت تتعاظم فيه التحديات وتتراجع فيه فاعلية مؤسسات الدولة.


كما أن بناء الشراكات ينبغي ألا يقوم على التطابق الكامل مع السياسات السعودية، بقدر ما يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والوضوح في المواقف. فالقيادات التي تتمسك بسيادة وطنها وقراره المستقل، وتدافع عن مصالح شعبها، وتؤمن بمؤسسات الدولة، يمكن أن تكون شريكًا موثوقًا متى توافرت المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة. فالاختلاف في وجهات النظر لا ينبغي أن يكون سببًا للإقصاء، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لحوار أكثر نضجًا وتوازنًا.


ومن المهم أيضًا أن تعيد الرياض النظر في طبيعة علاقتها بالحاضنة المجتمعية، وألا تظل قنوات التواصل محصورة في القوى السياسية النافذة أو الشخصيات التي تحتكر تمثيل مناطقها ومكوناتها. فبناء الاستقرار يتطلب التواصل المباشر مع المجتمع، والاستماع إلى تطلعات المواطنين، والاستفادة من القيادات الاجتماعية والقبلية والوطنية التي تمتلك حضورًا وتأثيرًا حقيقيًا.


وفي المقابل، فإن القوى السياسية التي ينحصر اهتمامها في الحفاظ على مواقعها ونفوذها داخل مؤسسات الدولة، دون تقديم حلول عملية للأزمات، ينبغي أن تخضع للمراجعة والتقييم على أساس أدائها ونتائج عملها. فالدعم السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تحمي الإخفاق، والمواقع الرسمية ليست غاية في ذاتها، وإنما مسؤولية تقاس بمدى الإسهام في خدمة المواطنين وتعزيز مؤسسات الدولة.


إن المطلوب اليوم ليس إقصاء طرف لمصلحة طرف آخر، ولا استبدال تحالف بآخر دون تغيير في طريقة إدارة الملفات، وإنما بناء شراكات وطنية أوسع، تستفيد من الخبرات المتراكمة، وتربط المسؤولية بالإنجاز، والدعم بالنتائج، والنفوذ بالقدرة على خدمة المجتمع وحماية مصالح الدولة.


إن الرياض أمام استحقاق مهم يتمثل في إعادة تقييم المشهد اليمني واختيار شركائها وفق معايير الكفاءة والإنجاز والموقف الوطني والقبول المجتمعي. فاليمن لا تنقصه القيادات ولا الخبرات، بقدر ما يحتاج إلى إدارة أكثر فاعلية لهذه الطاقات، وإلى إرادة جادة لتجاوز الحسابات الضيقة التي أسهمت في تعقيد أزماته.


فالمرحلة المقبلة لا تحتمل استمرار الرهان على الخطابات وحدها، ولا إعادة إنتاج التجارب ذاتها دون مراجعة. وما يحتاج إليه اليمن اليوم هو شراكة وطنية واسعة تحترم سيادة الدولة وقرارها المستقل، وتستوعب مختلف القوى والقيادات، وتضع مصالح المواطنين فوق المصالح الحزبية والشخصية.


فالعلاقات السياسية الناجحة لا تُقاس بكثرة الاجتماعات ولا بضجيج التصريحات، وإنما بقدرتها على صناعة الحلول، وتوحيد الصفوف، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق