مقال : أحمد عبود العمودي .. لماذا أحب أبناء الشمال حضرموت واختاروها موطنًا ثانيًا ؟ - صدى حضرموت | الإخبارية

أخر الأخبار

ترجمة - Translate

   

الثلاثاء، 27 يناير 2026

مقال : أحمد عبود العمودي .. لماذا أحب أبناء الشمال حضرموت واختاروها موطنًا ثانيًا ؟

منذ عقود طويلة، وحضرموت تمثّل في الوعي اليمني نموذجًا خاصًا للاستقرار والسكينة والانفتاح، حتى أصبحت مقصدًا مفضّلًا لآلاف اليمنيين القادمين من محافظات الشمال مثل صنعاء وتعز وإب والبيضاء والذين وجدوا فيها ما افتقدوه في مناطقهم من أمنٍ نسبي، وفرص عمل، وبيئة اجتماعية متسامحة تحتضن الجميع دون تمييز، فـ لماذا أحب أبناء الشمال حضرموت واختاروها موطنًا ثانيًا لهم؟

حبّ أبناء الشمال لحضرموت لم يكن وليد اللحظة، ولا مرتبطًاً فقط بظروف الحرب، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية قديمة قوامها الاحترام المتبادل والتكامل الاجتماعي والاقتصادي، فالحضرمي معروف في المخيال الشعبي اليمني بالحكمة، والهدوء، والأمانة، وحسن المعاملة، وهي صفات جعلت المجتمع الحضرمي بيئة جاذبة لكل من يبحث عن العيش الكريم والعمل الشريف.

لقد اختار كثير من أبناء الشمال الاستقرار في حضرموت مع اسرهم لأنهم وجدوا فيها مجتمعًا لا يُقصي ولا يُصنّف الناس على أساس الانتماء السياسي أو المناطقي أو المذهبي، بل يتعامل معهم كمواطنين وشركاء في الحياة والعمل، فالحضرمي بطبعه يميل إلى التعايش، ويؤمن بأن الرزق للجميع، وأن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بأصله.

من جانب آخر تمثل حضرموت بيئة اقتصادية واعدة مقارنة بغيرها من المحافظات اليمنية، حيث تتوفر فرص العمل في التجارة، والتعليم، والصحة، والمقاولات، والخدمات، إضافة إلى وجود جامعات ومعاهد تعليمية محترمة جعلت كثيرًا من الأسر الشمالية ترسل أبناءها للدراسة في مدن مثل المكلا وسيئون والشحر وتريم، لما تتمتع به من استقرار أكاديمي وسمعة علمية جيدة.

وفي المقابل دفعت الأوضاع القاسية في المحافظات الشمالية، وما تشهده من حرب وانهيار اقتصادي، وفرض جبايات باهظة، ومضايقات مستمرة على العالمين دفعت آلاف الشماليين إلى البحث عن ملاذ آمن يحفظ كرامتهم ويوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية، فبين نقاط التفتيش، والابتزاز المالي، والتضييق على التجار والمعلمين والموظفين، لم يعد كثير من الناس قادرين على الاستمرار في بيئة طاردة للحياة.

حضرموت بالنسبة لهؤلاء لم تكن مجرد مكان للعمل، بل أصبحت وطنًا ثانيًا، يشعرون فيه بالأمان على أسرهم، وبالاحترام في تعاملاتهم، وبالطمأنينة في ممارسة حياتهم اليومية دون خوف من الجبايات أو الاستدعاءات أو الفريق التهم، ولهذا اندمج كثير منهم في المجتمع الحضرمي، وشاركوا في نشاطه التجاري والتعليمي والثقافي، حتى صاروا جزءًا من نسيجه الاجتماعي.

إن سرّ حب أبناء شمال اليمن لحضرموت لا يكمن فقط في الاستقرار والأمن، بل في الروح الإنسانية التي تسود المجتمع الحضرمي، وفي قدرته النادرة على احتواء الآخر في زمن الانقسام والكراهية، ف حضرموت لم تسأل القادم من أين أتى، بل ماذا يستطيع أن يقدّم، وكيف يمكن أن يعيش بسلام.
وهكذا، تظل حضرموت نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه اليمن: أرضًا للتعايش، وفضاءً للأمان، وملاذًا لكل من ضاقت به أرضه، فاتسعت له أرض حضرموت وقلوب أهلها.

أحمد عبود محمد العمودي 
مستشار إداري متخصص في تطوير المؤسسات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق