من يجهل التاريخ، ولا يقرأ المشهد السياسي، ولا يفهم تعقيدات المراحل السابقة، سيبقى أسير الوهم، وتنتفخ ذاته بخطابٍ فارغ يظنه بطولة، وهو في حقيقته جهلٌ مغطّى بالسخرية.
الرد على فهد بن جمعوم ليس دفاعًا عاطفيًا، بل تصويبٌ للتاريخ. فالسخرية من محافظة البيضاء ليست زلة لسان، بل سقوط في امتحان الوعي. هذه المحافظة لم تكن هامشًا في تاريخ اليمن، بل كانت قلبًا نابضًا في أخطر المراحل، ورافعةً حقيقية لكل المشاريع الوطنية الكبرى.
البيضاء أنجبت القادة والثوار، وكانت المدد الصلب للجمهوريين في الشمال، ومنها كُسر كبرياء الإمامة، وسقط وهم السلالة. لم تكن متفرجة، بل كانت في مقدمة الصفوف، دمًا وموقفًا وتضحية. كما كانت سندًا للثوار من أبناء الجبهة القومية، وساهمت بوضوح في معركة إنهاء الاستعمار البريطاني، حين كان القرار وطنيًا لا مناطقيًا ولا جهويًا.
والأهم أن البيضاء لعبت دورًا تاريخيًا في احتواء أبناء الجنوب وقادته حين فرّوا من بطش وسطوة اليسار والاشتراكية. فتحت لهم الأرض والقلوب، وكانت حاضنة سياسية واجتماعية، ومنها أُعيد ترتيب الصفوف حتى سقط حزب القمع والوصاية في الجنوب. هذا ليس ادعاءً، بل وقائع يعرفها من قرأ التاريخ لا من يسخر منه.
من يستخف بالبيضاء يستخف بذاكرة اليمن كلها، ومن يسخر من محافظةٍ بهذا العمق لا يسيء إليها، بل يفضح سطحية وعيه وضحالة خطابه. فالتاريخ لا يُمحى بمنشور، والبطولات لا تُلغى بسخرية، والجهل – مهما علا صوته – يبقى جهلًا.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق