في المشهد الراهن، السياسة تتحرك بعمق، وتمتد بخطوط قطيعة سياسية بين دول، لا بين أطراف محلية فقط.
ما يجري اليوم أقرب إلى إعادة ترتيب مسرح إقليمي كامل، تُعاد فيه كتابة الأدوار، ويُستبعد من يعجز عن قراءة قواعد اللعبة.
في بداياته، حظي عيدروس الزبيدي بدعم إقليمي واضح، وجرى التعاطي معه بوصفه أداة مرحلية في سياق صراع مفتوح، حتى وصل إلى عتبة أكثر حساسية: عتبة الاستيت بيلدِنغ، مرحلة بناء الدولة، حيث تنتقل السياسة من إدارة الفوضى إلى هندسة النظام.
هنا بدأ الاختبار الحقيقي، هذه المرحلة تفرض ترتيب الأولويات بدقة، وتقديم مؤسسات السيادة على أدوات التعبئة، وتغليب منطق الدولة على منطق تصفية الخصوم.
غير أن المسار انحرف عندما جرى فتح بوابة المؤسسة الدينية بأمر من عيدروس في توقيت شديد الحساسية.
هذه الخطوة فُهمت إقليميًا باعتبارها قفزًا فوق قواعد اللعبة، وإقحامًا لمجال بالغ الخطورة في بيئة سياسية تبحث عن الاستقرار لا عن إعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة.
عند هذه النقطة، تحركت السعودية والشرعية بردود فعل حازمة، فتم سحب الغطاء السياسي، وإخراج الداعمين للمجلس الأنتقالي، وعزل أدواته السياسية بقرارات محسوبة.
من الواضح أن عيدروس، تصرف معا المرحلة خارج الإطار الذي كان يروّج له خطابُه، سلوكه السياسي كشف أن مشروعة وظيفي لا مشروع من يسعى لبناء دولة، بسلوكه هذا أدخل الإمارات في زاوية حرجة، وجرّ المجلس الانتقالي إلى مربع الاستخدام بدل النديّه، السياسة هنا تعاقب من يخلط بين الوسيلة والغاية.
في المقابل، اشتغلت الشرعية على مسار مختلف، مسار النيشن بيلدِنغ، إعادة بناء التوافق الأجتماعي والسياسي عبر الحوار وإدارة استحواذ القوة وتوزيعها، لا عبر الصدام المباشر، هذا النهج يقوم على تفكيك الخصوم عسكرياً وسياسياً بدل التعاطي، وعلى امتصاص الفواعل بدل إلغائها، وعلى خلق توازنات مستقيمة تضمن بقاء مركز القرار.
المجلس الانتقالي بوصفه فكرة وتنظيمًا ما زال حاضرًا، غير أن بعض قياداته دخلت مرحلة الأفول، الرسالة السعودية اتجهت مباشرة إلى القاعدة، لا إلى القمة، بهدف عزل القادة دون تفجير المكوّن، المرحلة المقبلة مرشحة لتفريخ مكونات متعددة، خصوصًا مع انحسار الدور العسكري وبقاء الدور السياسي، هذا التفكك المنظم يخدم الشرعية في إدارة التوازنات، ويمنحها مساحة أوسع لإعادة ترتيب المشهد دون كلفة صدامية حسب المسار السياسي المراد له.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق