لم يسقط المشروع الانتقالي في الجنوب بفعل خصومة جغرافية أو صراع شمال–جنوب كما يحاول البعض تسويقه، بل سقط لأنه اصطدم بجدار الإرادة الجنوبية نفسها. فالجنوب، الذي يُراد له أن يُختزل في كيان واحد وخطاب واحد، أثبت أنه أوسع من مشروع، وأعمق من أداة، وأقوى من وصاية.
منذ اللحظة الأولى، قرأت القوى الجنوبية الوطنية طبيعة المشروع المطروح قراءة واعية، وأدركت أن ما يُقدَّم باسم “القضية الجنوبية” لم يكن سوى محاولة لإعادة تشكيل الجنوب وفق أجندة خارجية، تُفرغ القضية من مضمونها الوطني، وتحوّلها إلى أداة صراع ونفوذ. ولذلك، كانت المواجهة جنوبية خالصة، قادتها مكونات جنوبية، وبخطاب جنوبي، وبثمن دفعه الجنوبيون وحدهم.
لم تكن المواجهة سهلة، ولا كلفتها رمزية. فقد دفعت المكونات الجنوبية، وفي مقدمتها المؤتمر الجنوبي، والحراك الجنوبي السلمي، وشخصيات وطنية بارزة على رأسها رجل الدولة أحمد بن أحمد الميسري، أثمانًا سياسية وأمنية باهظة. الاستهداف لم يكن صدفة، بل كان عقابًا واضحًا لكل من رفض الاصطفاف في مشروع الإقصاء والاحتكار.
وحين فشل الإقناع، جرى اللجوء إلى القوة. وحين تعثّر الخطاب، استُدعيت أدوات القمع. طيران، اعتقالات، سجون سرية، اغتيالات سياسية، وإقصاء ممنهج لكل صوت جنوبي مستقل. هنا فقط انكشفت الحقيقة كاملة: المشروع الذي يدّعي تمثيل الجنوب لا يحتمل الجنوب، ولا يقبل بتعدديته، ولا يعترف بإرادته الحرة.
واليوم، حين يروّج المجلس الانتقالي لرواية “التفويض الشعبي”، فإن الواقع يفنّدها بلا عناء. فأي تفويض هذا الذي يواجه رفضًا شعبيًا واسعًا؟ وأي شرعية تلك التي تقف ضدها عشرات المكونات الجنوبية السياسية والمجتمعية؟ وأي قضية تُخدم عبر مصادرة الرأي، وإغلاق المجال العام، وتحويل الجنوب إلى مساحة صامتة تُدار بالقوة؟
إن أخطر ما في المشروع الانتقالي لم يكن شعاراته، بل محاولته اختطاف الجنوب والقضية معًا، واحتكارهما باسم التمثيل، لا بالتوافق. لقد أُريد للجنوب أن يُختزل في مجلس، وللقضية أن تُختصر في فصيل، وللتاريخ أن يُعاد كتابته بقوة السلاح لا بوعي الناس.
لكن الجنوب قال كلمته. قالها حين رفض، وحين صمد، وحين قدّم نموذجًا نادرًا في مقاومة الوصاية من الداخل، لا بالارتهان للخارج. أسقط المشروع لأنه لم يكن مشروعه، وواجهه لأنه لا يشبهه، وعرّاه لأنه قام على الإقصاء لا الشراكة.
إن ما جرى ليس هزيمة فصيل، بل انتصار معنى: انتصار الجنوب المتعدد على الجنوب المختطف، وانتصار الإرادة على الوصاية، وانتصار القضية حين تعود إلى أصحابها، لا إلى من يتاجرون بها.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق