لم تكن المعركة يومًا معركة حدود أو نفوذٍ عابر، بل كانت حربًا قذرة على الوعي، ومشروعًا عدوانيًا لإخضاع المنطقة لإرادة المال والقوة والوصاية الخارجية. من مصر إلى ليبيا، ومن سوريا إلى تونس، ومن غزة إلى السودان، مرورًا بالصومال وقطر واليمن؛ تمدّد مشروع واحد، بوجهٍ واحد، وإن تعددت الأقنعة: إغراق الدول بالأموال، تسليح المليشيات، إشعال الفتن، وتمزيق المجتمعات، بهدف واحد لا يخفى: اجتثاث التيار الإسلامي وفي مقدمته الإخوان المسلمون مهما كان الثمن.
أنفق محمد بن زايد ثرواتٍ أسطورية، تفوق ما أنفقته دول في حروب مصيرية، لا لبناء دولة، ولا لتحقيق نهضة، بل لشراء الولاءات، وتمويل التطبيع، ودعم اقتصادات الاتحاد الأوروبي، وضخّ أكثر من تريليون دولار في شرايين الاقتصاد الأمريكي، في محاولةٍ بائسة لشراء غطاء دولي يشرعن الخراب. في المقابل، تُركت الأوطان العربية للانقلابات، وحُوّلت الجيوش إلى أدوات، والعواصم إلى ساحات دم، وكل ذلك تحت لافتة محاربة “الخطر”، بينما الخطر الحقيقي كان هذا المشروع نفسه.
لكن الحقيقة التي اصطدم بها هذا المشروع أن الأفكار لا تُقصف، ولا تُهزم بالمال، ولا تُسحق بالمليشيات. وبعد كل هذا النزيف، لم تختفِ الفكرة، ولم ينكسر التيار، بل بقي واقفًا، متجذرًا، يستمد شرعيته من الناس لا من العواصم الغربية. تغيّرت الأسماء والواجهات، وسقطت الأقنعة، وبقي الجوهر: الشعوب لا تُهزم بالإكراه.
وجاءت الضربات القاصمة تباعًا؛ هُزم المشروع في السودان حين سقط رهان العسكر وانكشفت الأجندات، وهُزم في اليمن حيث تهاوت أدواته وسُحبت أنيابه، وهُزم في ليبيا بعد أن تحطمت أوهام السيطرة عبر أمراء الحرب. لم تكن هذه إخفاقات تكتيكية، بل هزائم استراتيجية كشفت أن المال مهما تضخم لا يستطيع شراء التاريخ ولا كسر إرادة الشعوب.
الأخطر من هذه الهزائم الخارجية هو الارتداد الداخلي. فالمشروع الذي أراد إخضاع المنطقة بدأ يغرق في عزلة سياسية وأخلاقية متسارعة، وتحوّل من لاعبٍ يُخشى إلى عبءٍ يُتحاشى، حتى داخل محيطه. لم يعد يُنظر إليه كقوة استقرار، بل كمصدر فوضى، ولم يعد شريكًا موثوقًا، بل مقامرًا بمصائر الدول.
اليوم، لا أحد يسأل عن حجم ما أُنفِق، بل عن حجم الفشل. دول مدمّرة، شعوب مثخنة بالجراح، مليارات ذهبت لتقوية اقتصادات الآخرين، ومشروع إقليمي خرج خاسرًا، مكشوفًا، بلا حلفاء حقيقيين ولا شرعية أخلاقية.
وهنا تتجلى سنّة الله التي لا تحابي أحدًا:
﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾
فما بُني على الظلم سينقلب حسرة، وما قام على الخيانة سينهار، وما استقوى بالخارج سيسقط عند أول اختبار حقيقي. فالأموال تنفد، والمليشيات تزول، أما الأفكار التي تولد من رحم الشعوب فباقية… ولو كره المتآمرون.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق