حين ننظر بعمق إلى واقع حضرموت خاصة واليمن عامة نجد أن جوهر المشكلة ليس في ندرة الموارد ولا في ضعف الإنسان ولا حتى في قلة الإمكانات الطبيعية، فهذه الأرض تزخر بثروات متنوعة وعقول قادرة وموقع استراتيجي فريد وتاريخ عريق في التجارة والإدارة والحضارة، لكن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها اليوم هي أزمة إدارة قبل أي شيء آخر، وعندما أقول إدارة فأعني (التخطيط والتسويق والتنفيذ والاشراف والمتابعة والمحاسبة) وهي جوانب للأسف ضعيفة أو تكاد تكون مفقودة في أغلب مؤسسات الدولة على مختلف مستوياتها.
نحن لا نعيش أزمة فقر موارد، بل أزمة غياب رؤية وتشتت أهداف وانعدام خطط تنفيذية واضحة، فالقرارات غالباً ما تكون آنية ارتجالية لا مشاريع مدروسة، ومبادرات فردية لا لا تتحول إلى مشاريع وطنية واضحة المعالم بآليات واضحة للتنفيذ، ولهذا السبب تتعثر المشاريع ويتباطأ التنفيذ وتضيع الفرص ويستمر الهدر في الوقت والمال والطاقات.
في حضرموت لدينا ثروة نفطية ومعدنية وسواحل طويلة قابلة للاستثمار السياحي والاقتصادي وأراضٍ زراعية خصبة في الأودية وطاقات شبابية متعلمة وطموحة وموقع جغرافي يربط آسيا بإفريقيا، ومع ذلك لا نرى أثراً حقيقياً لهذه المقومات على حياة المواطن ليس لأنها غير كافية بل لأنها غير مُدارة بعقلية استراتيجية.
جوهر الأزمة غياب الرؤية والخطة، فالدول لا تنهض بالشعارات ولا بالنوايا الحسنة، بل بـرؤية واضحة (أين نريد أن نكون بعد 10 أو 20 عاماً؟)، وبأهداف محددة (ماذا نريد أن نحقق في كل قطاع؟)، وبخطط تنفيذية واقعية (من يفعل ذلك؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي موارد؟)، وبمؤشرات قياس ومساءلة (هل تقدمنا أم تراجعنا؟) وبالتالي بدون هذه المنظومة تتحول الدولة إلى جسد بلا عقل.
لو استعرضنا تجربة ماليزيا قبل عقود، كانت دولة نامية تعتمد على الزراعة والمواد الخام وتعاني من الفقر والتفاوت وتشبه في كثير من جوانبها واقع اليمن اليوم من حيث تنوع الموارد البشرية والطبيعية، لكن ما الذي صنع الفرق؟ لم يكن النفط ولا المعجزات بل (رؤية وطنية واضحة، وأهداف استراتيجية طويلة المدى، وخطط تنفيذ، ومحاسبة).
ما نحتاج إليه اليوم هو إدارة محترفة قائمة على الكفاءة لا على المجاملة وخطط تنفيذية دقيقة لكل قطاع، بهذا النهج انتقلت ماليزيا من دولة زراعية بسيطة إلى دولة صناعية وتكنولوجية تنافس اقتصادياً وتجارياً على مستوى العالم.
مشكلتنا ليست في الأرض ولا في الإنسان ولا في قلة الموارد، مشكلتنا في (العقل الذي يدير) وفي (النظام الذي يخطط)، وفي (الإرادة التي تنفذ)، فإذا أردنا لحضرموت واليمن أن ينهضا فعلينا أن نبدأ من الأساس بوضع ورؤية واضحة وخطط تُنفَّذ لا تُعلَّق وإدارة واعية، عندها فقط ستتحول مواردنا من عبء معطل إلى ثروة فاعلة ومن حلم مؤجل إلى واقع ملموس.
أحمد عبود محمد العمودي
مستشار إداري متخصص في تطوير المؤسسات







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق