بلغ الخلاف بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مرحلة متقدمة، تجلّت في تحريك وفتح ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالوضع في اليمن، وفي مقدمتها قضايا الاغتيالات، وتهريب الآثار والنفط، وتعطيل مؤسسات الدولة، وعرقلة عمل الحكومة الشرعية، إضافة إلى ملفات باتت تمس أمن الجوار بشكل مباشر.
هذه الملفات لم تكن جديدة ولا مجهولة، بل ظلت لسنوات طويلة حاضرة في التقارير والتقديرات السياسية والأمنية، غير أنها بقيت مؤجّلة أو خارج نطاق المساءلة الفعلية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تحرّكت السعودية الآن لفتح هذه الملفات، بينما جرى التغاضي عنها في مراحل سابقة؟
القراءة الواقعية تشير إلى أن هذا التحرك لم يأتِ بدافع إنصاف اليمن أو إعادة الاعتبار لسيادته، بقدر ما جاء نتيجة شعور المملكة بأن ما يجري تجاوز حدود اليمن، وبدأ يتحول إلى تهديد مباشر لأمنها القومي. فعندما كانت التداعيات محصورة داخل الساحة اليمنية، ظلّ الصمت سيد الموقف، أما حين اقترب الخطر من العمق الأمني السعودي، تغيّر منسوب التعاطي وبدأت مرحلة فتح الملفات.
هذا التحول يكشف حقيقة سياسية مؤلمة، مفادها أن اليمن ظلّ لسنوات على هامش الحسابات الإقليمية، تُدار قضاياه وفق توازنات المصالح لا وفق منطق الدولة والسيادة. لقد جرى التعامل مع السيادة اليمنية كورقة مؤجلة، تُستدعى فقط عند تغيّر مستوى التهديد، وتُهمَّش حين لا تمسّ أمن الآخرين بشكل مباشر.
الأخطر أن فتح هذه الملفات يأتي في سياق صراع نفوذ بين أطراف يُفترض أنها ضمن معسكر واحد، ما يحوّل القضايا السيادية والحقوقية إلى أدوات ضغط سياسية، بدل أن تكون مدخلًا لمسار مساءلة حقيقي. هذا الواقع أتاح لأطراف مثل جماعة الحوثيين استغلال هذه الثغرات، وتقديم نفسها أمام الوسطاء كطرف يتحدث باسم السيادة، رغم سجلها المعروف في تقويض الدولة واجرامها الدموي.
إن إعادة فتح الملفات خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنها تفقد قيمتها إن بقيت رهينة الظرف السياسي وتبدّل المصالح. فالأمن القومي السعودي، كما أمن المنطقة، لا يمكن حمايته عبر إدارة الأزمات أو تأجيلها، بل عبر احترام سيادة الدول، وتجفيف مصادر الفوضى، وبناء مسار قانوني مستقل لا يخضع لمنطق الصفقات.
وفي المحصلة، فإن تحريك السعودية لهذه الملفات جاء دفاعًا عن أمنها القومي قبل أي اعتبار آخر، وهو ما يؤكد أن السيادة اليمنية ظلت لسنوات خارج مركز القرار، تُؤجَّل حين لا تمسّ الآخرين، وتُستدعى فقط عندما يقترب الخطر. ومن دون تحويل هذه الملفات إلى مسار مؤسسي وقانوني شفاف، ستبقى الحقيقة رهينة التوقيت، وستظل اليمن الخاسر الأكبر في معادلة تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الدولة.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق